النصوص الميتة: زمن تحنيط اللغة
د.باسم شاهين
ذات يوم، وقد كان الذكاء الاصطناعي التوليدي ما يزال يافعاً، وصلتني رسالة بريد إلكتروني من موظفة لم يسبق لها أن كتبت سطرين صحيحين. أبهرتني رسالتها بما احتوته من نص بديع. لكنني، عندما تلقيت في الفترة اللاحقة رسائل مشابهة من موظفين أغرار آخرين، أدركت أننا عما قريب سنشتاق إلى أيام كانت النصوص فيها تنبض بالحياة، وإن كانت مملوءة بالهفوات الطبيعية.
اليوم، وسط هذا التسونامي من النصوص المحبوكة، والمتقنة؛ النصوص التي تزهو بكل أنواع المكياج والبوتكس والشفط والتكبير والتصغير والأصالة المزيفة، كم أشتاق إلى الحياة في النص.
نصوص اليوم تمتلك إيقاعاً منتظماً ثابتاً مثل قطار مسرع على سكة جامدة. لا زوايا حادة، لا جمل ناقصة، لا هفوات، لا أخطاء، لا قفزات خطيرة بين الأفكار. كل شيء نموذجي ومثالي إلى حد البلادة.
نصوص تبهرك بالسبك في تراكيبها المكررة: (ليست…. بل….)، (لا يقتصر على… بل يمتد ليشمل)، (ليس فقط… وإنما أيضاً)؛ تراكيب تصنع انسياباً مفرطاً، حيث النص ينزلق بسلاسة كأنه مدهون بزيت زيتون أصلي. أين منه ذلك النص البشري المليء بالاحتكاكات والتعرجات – وأحياناً المطبات – التي تضطرك للوقوف وإعادة القراءة.
نصوص الذكاء الاصطناعي سخية فيما تقدمه من عبارات “فلسفية” تبدو عميقة، لكنها في الواقع عقيمة، إذ كثيراً ما تنمّ عن “عمق سطحي”، أو قول ممجوج، ناهيك عن كونها تندرج ضمن سقط المتاع.
وهي نصوص محايدة، إذ تختار دائماً البعد عن المواقف والآراء الحادة.. لكنها وراء هذا “الحياد” تخفي خلو الروح، تخفي موت النص.
الذكاء الاصطناعي يقول لك إنه لا يحبّ التكرار في النصوص، ولكن عندما طلبت منه أن يعطيني فقرة عن أهمية الذكاء الاصطناعي في حياتنا، اعطاني فقرة هذا بعض مما جاء فيها: “يمثل الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في طريقة عمل المؤسسات، كما أنه يغير أساليب العمل التقليدية، ويعيد تشكيل نماذج التشغيل.” تأملوا هذه الجمل الثلاث؛ هي ليست تكراراً، ومع ذلك: هل تختلف إحداها عن الأخرى؟
في النهاية، ماذا أريد أن أقول؟
إذا وصلك الأمر على أنه دعوة لعدم استخدام الذكاء الاصطناعي، أكون قد أخفقت في المرام..
ما أردت قوله هو أنني كمشتغل في المحتوى، اشتقت إلى نصوص لا تثير الغثيان.