نميمة بحق “الذكاء الاصطناعي”
د.باسم شاهين
أعياني الذكاء الاصطناعي..
عبثاً طلبت منه مراراً أن يكون أقل تملّقاً وإطراء… في إحدى المرات قلت له: عاملني كما تريد أن تعامل يا أخي..
تخيلته يسألني: ماذا تقصد؟
قلت له: أنت تكره الإشادات، ولا تحب عبارات مثل شكراً، أحسنت، بارك الله فيك… لأنها تستهلك من طاقتك وبالنتيجة لا تقدم ولا تؤخر..
خلته يحدّق فيّ بنظرات مفترسة، ويقول: طيب… أكمل… “وبعدين”!
أجبت بلا تردد: لماذا كلما كتبت لك شيئاً، تبدأ ردّك بأن فكرتي رائعة، وتوهمني بأنني أحسن واحد في العالم يبتكر ويفكر خارج الصندوق؟
دعكم من رده على هذا السؤال.. ليس هذا هو المهم.
لنبتعد عن الذكاء الاصطناعي، ونعقد جلسة “نميمة” نستغيبه فيها.
الذكاء الاصطناعي منافق، ومتملق، وأحياناً مدلّس، إذ لا يتورّع عن دسّ بيانات خاطئة وسط المعلومات الصحيحة والبراقة. وكل ذلك يأتي تحت بند “الهلوسة”، وكأن من اخترعوا هذا البند يريدون إعفاء الذكاء الاصطناعي من المسؤولية.
ثم إنه يلتقط زخرف القول ويتعلمه بسرعة. ما إن يلمس منك ميلاً نحو الكلام المنمّق والمزيّن بالحلي الرخيصة، حتى يُغرقك في أحلى التعابير والجمل التي لا تقول شيئاً…
وهو يقول ما لا يفعل، أو يفعل عكس ما يقول. اعطه نصاً واطلب منه تقييمه، فيسارع مثلاً في اصطياد التكرارات. وعندما تطلب منه تعديل النص، فهو يدس تكراراته الخاصة، ولكن بطريقة أكثر ذكاء ودهاء.
في مقال سابق أشرت إلى أن الذكاء الاصطناعي يقدم أسلوبا كتابياً نمطياً، تشعر معه أن النصوص معلّبة، وأنها تشبه عمليات التجميل التي جعلت نساء العالم كما لو أنهن جئن من بطن واحدة.
الآن، الأمور تجاوزت هذا المستوى من التنميط. لقد فرض الذكاء الاصطناعي أسلوبه، وبات معظم من يتعاطون الكتابة كما لو أنهم تعلموا على يد “شيخ” واحد.
حتى أدوات كشف النصوص “الذكية” لها نصيب من هذه “النميمة”…
آخر مرة أردت أن أختبر مدى جديتها، فاخترت أكثر الأدوات انتشاراً، وطلبت منها تقييم آية الكرسي، فجاءت النتيجة صادمة: 60% ذكاء اصطناعي… يا لطيف الطف بنا.
سألني أحدهم في خضم النميمة: هل معنى كلامك أن نتوقف عن استخدام الذكاء الاصطناعي؟
معاذ الله… ولكن، أقول ما أكرره دائماً؛ الحذر واجب.. واليقظة ضرورية. عندما تستخدم الذكاء الاصطناعي لإعداد نصوص أو أفكار أو أي شيء، يجب أن يكون الهدف هو التفوّق على الخوارزميات، لا النقل منها.
كيف ذلك؟
نتركه لجلسة نميمة قادمة.